ملخص الدرس / الثآنية ثانوي/فلسفة/تاريخ الفكرالفلسفي/تاريخ الفلسفة اليونانية

مقدمة

I- ماذا..فوق الأشياء؟

أولا: الوضعية المشكلة الأولى: الموت والنجاة منها.

ثانيا: الوضعية المشكلة الثانية: أسطورة "عقب أخيلوس".

II- ماذا..وراء الأشياء؟

أولا: النوع الأول من الوضعيات المشكلة: العناصر الأولى المادية و المجردة للأشياء.

ثانيا: النوع الثاني من الوضعيات المشكلة : ماذا..وراء الإنسان؟

ثالثا: النوع الثالث من الوضعيات المشكلة: العالم الذي تستقر فيه الحقيقة المطلقة.

رابعا: النوع الرابع من الوضعيات المشكلة: علل الأشياء و الحكمة منها.

III- كيف ..نعيش مع الأشياء؟

أولا : الجزء الأول من الوضعية المشكلة العامة.

ثانيا: الجزء الثاني من الوضعية المشكلة العامة 

خاتمة: حل المشكلة.

 

طرح المشكلة

إن الفكر اليوناني حاول-على العموم- الإجابة عن أسئلة ثلاثة كبرى، هي:

ماذا..فوق الاشياء؟ وماذا.. وراء الاشياء؟ كيف..نعيش مع الأشياء؟

I-ماذا..فوق الاشياء؟

سنقدم تحت هذا السؤال الكبير، وضعيتينمشكلتين،بالعرض و التحليل كل واحدة على حدة، لنكشف خصائص الفكر اليوناني اللاهوتيالذي كبّل مدة قرون ، الروح الفلسفية:

أولا: الوضعية المشكلة الأولى

1-عرض: لنتأمل معا، الوضعية المشكلة الآتية:

شخصان يمشيان معا ، أحدهما يتسلق شجرة عالية ، وعند مبلغ قمتها يسقط منها، و ينجو من الموت، والآخر تعثرت به قدمه، عند جذورها الملتوية، فسقط ميّتا.

2-تحليل: إن الإفتراضات التي تساعدنا على تفسير هذه الظاهرة، لا تتعدى افتراضين اثنين، أحدهما علمي، يقوم على رد الأشياء إلى أسبابها، والآخر لاهوتي، يعزو وقوع الاشياء مباشرة ، إلى الإله.

في الإفتراض الأول ، قد يتجه التحليل إلى ذكر عوامل موضوعية ، وأخرى ذاتية. أما الموضوعية ، فيمكن تلخيصها في كون الناجي منهما، أشدّ مقاومة وأخف جرحا وأكثر ممارسة للتسلق و للرياضة، وأوسع حظا في الوقوع على أرضية أوفرها رطوبة، و يحتمل أن يكون من ناحية العوامل الذاتية، أصلب عزيمة وأعظم حذرا و تحملا. ومن الأسباب التي يضعها التفسير في الحسبان بالنسبة إلى الهالك، نزيف دموي في مستوى الدماغ أو سكتة قلبية، أو تسمم في الدم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- هو الفكر الذي يرجع كل تفسير إلى الآلهة.

2- نأخذ الإله بمفهومه الأوسع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و في الإفتراض الثاني، لا يرى العقل في كل هذه الأسباب، ما يطمئن إليه، أمام قوة إيمانه بالإله الذي يخلق الأشياء، و يحركها. فإن العلم يبقى عاجزا أمام إرادة هذا الإله، ومشيئته و قدرته و علمه. فهو الذي يهيئ أسباب الظاهرة، ويقرر موت هذا ، ونجاة ذاك.

إن هذا التفسير الذي يردّ-رأسا- شؤون الاشياء إلى الإله، ليس جديدا في ثقافة الناس عبر التاريخ. إننا نجده قد بلغ ذروته مع مفكري اليونان، و خاصة في الفترة ما بين القرنين العاشر و الثامن قبل الميلاد.

ثانيا: الوضعية المشكلة الثانية:

1- عرض: لنصغ إلى هذه الأسطورة المعروفة ب"عقب أخيلوس":

في الميثولوجيا اليونانية، و خاصة في إلياذة هوميروس، لا يدعى شخص بطلا، إلا أنه ابن لإله ولأم عادية أو العكس، ابن لأب عادي و لأم إلهة، فهو ذو هيبة، باعتبار قدسية ولادته، ولأنه بالضرورة، محارب وقائد ن مثل القواد العسكريين في حرب طروادة4

فالبطل أخيلوس هو ابن شخص عادي- هو الملك بولي (Pelée) - وإلهة المياه و الغابات -ثيطيس (Thétis)- غطّسته أمه، وهو صبيّ في مياه مقدسة، لتجعل منه كائنا ذا مناعة، لا يدركه ضرر. ولكنها، عندما غطّسته في هذه المياه، كانت تحمله من عقبه الذي لم يتبلل بالماء، و بالتالي لم يستفد من بركة المياه المقدسة. لقد برز اخيلوس في حرب طروادة ، وكان يخيف عدوّه بما كان يرتديه من واقية معدنية لامعة، ولكن، بعد عشر سنوات ، وبينما لم يتغير موقع الإغريقيين - ماداموا راسين على الشواطئ مع بوارجهم - إذا بمشاجرة تحتدم في صفوفهم بين أخيلوس و ذراعه الأيمن-آغامنون- بسبب تقسيم الغنيمة. وكان هذا الأخير، قد سجن عنده بنت قس أبولونلدى الطرواديين. إن هذا الإله، ناصر الطرواديين وضرب بالسهام الجيش الإغريقي. وعلى إثر ذلك ، انتشر وباء، و هو الأمر الذي أجبر آغامنون على تسليم السجينة لوالدها. ولقد قرر أخيلوس ألا يشارك بعد، في الحروب، هو و رجاله. إلا أن الأحوال تغيرت، وأخذ الطرواديون الغلبة، ولم يعد أي إغريقي قادرا على مواجهة هيكتور، القائد الطروادي. ولم يتقرر لدى أخيلوس رد فعل، حتى في الحالة التي استطاع الطرواديون اختراق خطوط الإغريقيين، وحرق سفنهم.

لقد استطاع أحد أصدقائه، أن يقنعه بقيادة الجيش، موهما العدو بأنه أخيلوس بنفسه، وبتجهيزه الحربي، استطاع أن يدفع العدو إلى الوراء، ولكن، على الرغم من تعليمات أخيلوس ، فإن هذا القائد الجديد، لم يستطع تجنب هكتور، فهلك وسرقت منه الأسلحة التي كان يحملها، و التي ليست سوى أسلحة أخيلوس وعندئذ، تقرر لدى أخيلوس الإنتقام لصديقه و تقرر لدى أمه، أن تمده بأسلحة جديدةلقد عظم الأمر إلى درجة أن انشغلت به الآلهة، و طلبت من زيوس التدخل وبعد النظر في قضية الرجلين، ظهر أن وزن مصير أخيلوس أثقل، وهذا يعني، الأمربموت هكتور ففر هكتور، واستطاع أخيلوس أن يداركه، فوقعت بينهما حرب، هلك فيها، هكتور استجابة لمصيره هذا، ولقد تنبأ الكهنة بموت أخيلوس التي ستتبع هلاك هكتور بثلاثة أيام وفعلا، لقد قتل أخيلوس في اليوم الثالث، بسهم مسموم أطلقه أخ هكتور، فأصاب عقبه، وهو-كما قلنا- الجزء الصغير من جسده الذي لم ينغمس في الماء المقدس

2- تحليل: هذه الاسطورة التي يحكيها هوميروس في الإلياذة، تعكس لنا الإرتباط الروحي الوثيق بين الأحداث و قرارات الآلهة، وتبرز كيف أن المعركة فيما بين الآلهة ، تؤثر في أشياء العالم، وكيف أن ما يجرى في عالم الأشياء ، يجد تفسيره في ما فوقه. وهي لا تأخذ معناها، إلا بإرجاعها إلى سياقها الثقافي، و هو سباق يتعامل مع الخرافة و السحر و القوى الخارقة للطبيعة. وهذه القوى، تتجسد في وجود آلهة، لا شكل لها، أو آلهة بشرية تتمثل في أشخاص، أو مادية مثل الكواكب و الأشجار و الصواعق.

ففي هذه الأسطورة ، لا تفهم جيدا ، كيف اكتسب أخيلوس البطولة والغلبة، إن لم نربطها بقصة ولادته المقدسة من جهة أمه، إلهة المياه و الغابات، و لايمكننا أن نفهم أيضا، تخادل جيش الإغريقييين من جهة، ثم هلاك عدوهم هيكتور، وكذا مصير أخيلوس، من غير إرجاع ذلك، إلى زيوس إله الصواعق وثيطيس إله المياه.

هذا هو التفسير اللاهوتي ، كما يسميه- بعض علماء الإجتماع- الذي يتعامل بالفطرة ، مع الخيال ومع القوى الخارقة فوق الأشياء، و في كلمة ، مع الآلهة و معجزاتها.

و في التعقيب على هذا التحليل، نقول:

لا شك في أن الإنسان فيما قبل التاريخ، واجهته ظواهر طبيعية استغربها، و حاول أن يفهمها. وقد نتسائل عما هي الاساليب الأولى التي يحتمل أن يكون قد لجأ إليها، في محاولته لفهمها، وكذا لإراحة فضوله؟

أ- لقد وجد الإنسان البدائي نفسه، أمام جملة من الظواهر الطبيعية، وكانت هذه الظواهر أكبر منه قوة وأشد منه بأسا، وكان عليه، لكي يحمي نفسه من غائلة هذه الظواهر، أن يعرف كنهها- اي حقيقتها- وأن يجد لحدوثها ، تفسيرا كيف إذن ، يقي حياته من أن تطيح بها الطبيعة المتمردة من حوله وكيف يسيطر على تلك الطبيعة و يخضعها لإرادته، بدلا من أن يخضع هو لإرادتها: فأين يذهب من العواصف التي تطيح بمسكنه، وأين يفر من الرعد الذي يصم آذانه، ومن الأمطار التي تغمر الأرض، وكذا من دواهي الزلازل و البراكين و الأعاصير، وهي كلها أمور تثير الخوف و الدهشة و العجب وعندما يثار الخوف، يجنح الإنسان إلى الخيال بحثا عما يرضي فضوله.

إن إيمان الناس بالآلهة ، يرجع إلى التأثير العظيم الذي تتركه في نفوسهم، عظمة العالم و جماله و قوانينه المحكمة. ولقد اعتادوا دائما، عبر العصور، في قوة قاهرة و مدبرة فوقهم، هي اللّه أو الإله بمفهومه الأوسع.

ب- وعندما تثار الدهشة ، يأخذ الإنسان في التفكير و البحث عن السبب. وعندما يرجع إلى نفسه و خبرته الذاتية كمصدر للمعرفة، يجد أنه من الممكن، أن يرى نفسه في أماكن مختلفة في الأحلام، يتحدث و يروح و يجيء و يحارب و يغضب و يفرح، في حين أن جسمه يظل ثابتا في مكانه، أثناء النوم. ولما كان ذلك الكائن الذي يراه في أثناء النوم، يستطيع أن يخترق الحجب، ولا يتقيد بطبائع الأشياء، اعتقد أنه من طبيعة مخالفة لطبيعته، وأسمى هذا الشيء، بالروح أو النفس. واعتقد أن هذه الروح تسكن جسمه و تغادره مؤقتا في أثناء النوم، ثم تغادره نهائيا، عند الموت. ولقد عزا إليها، حركته و سلوكه، و اعتقد أنها مسؤولة عن كل ما يصدر عنه.

ج-وكذا نسب إلى الطبيعة الجامدة أرواحا كروحه هو، وعزا "أفعالها" و ظواهرها إلى إرادة خفية يتصورها على نحو ما يتصور إرادته هو ، إرادة تعمل بحرية ذاتية، دون تقييد بقانون أو نظام، و دون خضوع لمنطق العلل، بل إن هذه القوى الخفيةأو الأرواح أو الآلهة أو النفوس التي تسكن أجسامنا، كانت هي نفسها في نظره، العلل الأولى للأشياء، و لحركات الإنسان. أليس في يدها أن تحيي الإنسان أو تسميه؟ أليس في يدها أمر حمايته أو الإطاحة به أو هلاكه؟ ومن هنا، كان لا بد من أن يتعبّدها، وأن يبتهل إليها ، و يتوسل إليها. ومن هنا أيضا، كانت الطقوس والسحر و التعاويذ والعادات الغربة التي لا نزال نرى الكثير منها، في ثقافتنا الحالية.

د- هذه هي المرحلة الأولى مرحلة التفكير الخرافي، حيث حاول الإنسان أن يجيب عن هذا السؤال: ماذا فوق الاشياء، حيث كان يسند إلى الكائنات الطبيعية حياة روحية شبيهة بحياة الإنسان، و يعزو إلى الأرواح، جميع ما يحدث في هذا الكون من ظواهر.

 

ماذا..وراء الأشياء؟

للرد على هذا السؤال الثاني وهو الأوسع ، نحاول تأمل أربعة أنواع من الوضعيات المشكلة:

أولا: النوع الأل من الوضعيات المشكلة: وهو يدور حول العناصر الأولى المادية و المجردة للأشياء.

1- أمامك الوضعيات المشكلة التالية و الخاصة بالأشياء الفيزيائية:

أ- إذا كانت الحياة تنبعث حيث يكون الماء، وتنعدم حيث تنعدم، ألايمكن اعتبار الماء، الأصل الأول في وجود الأشياء؟

ب- وبالمثل يمكن التساؤل ، إذا كانت الأرض قرلاصا أو جسما يسبح في الهواء، وكان هذا الهواء يشع في كل أنحاء الوجود، ألا يمكن اعتبار الهواء ، السبب الأول في صدور هذه الأشياء التي يحتوي عليها الكون؟

ج- و في سياق هذا المنطق، ألا يمكن التفكير أيضا، كأصل يقف وراء عالم الاشياء الذي لا يتوقف عن الحركة والإحتكاك،؟ ويمكن تحويل التساؤل أيضا ، إلى مستوى تجريدي حيث نتحدث عن الحب والنفور، والجوهر الفرد ، والقوة العاقلة، والعدد، ونحو ذلك؟

ففي نطاق الوضعية المشكلة الأولى ، نقول بأنه من الفلاسفة الذين ردوا أصل الكون إلى الماء ، طاليس (621-550 ق.م تقريبا):

لقد انطلق من الفرضية التالية، و هي أن الاشياء على رغم من تغيرها و تنوعها ، واختلاف بعضها عن بعض، تشكل عالما معقولا، و ترتد إلى مبدأ واحد هو الماء. ومن الحجج التي يؤكد بها صدق هذه الفرضية، أن الحياة تدور مع الماء، وجودا وعدما ، فتكون الحياة حيث يكون الماء، وتنعدم حيث ينعدم، وأن الماء يستحيل إلى صور متنوعة، فيصعد في الفضاء بخارا، ثم يعود، فيهبط فوق الأرض مطرا، ثم يصيبه برد الشتاء، فيكون ثلجا، وهكذا، يكون غازا حينا، وسائلا حينا، و صلبا حينا. وكل ما يقع في الوجود، لا يخرج عن إحدى هذه الصور الثلاث، فلا فرق بين هذا الإنسان، وتلك الدابة و ذلك الجبل إلا الإختلاف في كمية الماء الذي يتركب منها، هذا الشيء أو ذاك، هذه حقيقة مطلقة، يؤمن بها طاليس، إلى درجة أنه خيل إليه ، أن الأرض قرص متجمد ، يسبح فوق لجاج مائية ليس لأبعادها نهاية.

وفي نطاق الوضعية المشكلة الثانية، يفترض أنكسمينس (588-524 ق.م تقريبا) أن هذا الشّتات الذي تتقدم به الأشياء المتنوعة في الإختلاف، ليس سوى قرص مسطوح يسبح في الهواء. ومن الأدلة التي يستند إليها، أن الهواء يشيع في كل أنحاء الوجود، فإذا تكاثف حينا، كان شيئا، وإن هو تخلخل حينا، كان شيئا آخر. فإذا هو أمعن في تخلخله مثلا، انقلب نارا، حتى إذا ارتفعت، كوّنت الشموس، والأقمار. وإذا هو أمعن ف التكاثف مثلا، انقلب سحايا، ثم أنزل السحاب ماء، ثم تجمد الماء، فإذا هو تربة وصخور.

وفي نطاق الوضعية المشكلة الثالثة، يرى هرقليطس (540-480ق.م) أن الأشياء تتغير باستمرار، و مصدر ذلك ، النار، و هذا، لأن طبيعة النار، أن تحرق، والإحتراق تغير. فكل الأشياء في العالم، ظواهر لا تكف عن الإحتراق، و بهذه العملية، يتحول الشيء باستمرار إلى الآخر، و ليست هذه الحياة التي تدب في الأحياء، وهذا النشاط العقلي الذي يميز الإنسان، إلا قبسا من تلك النار، فكلما كثرت النار في جسم، ازدادت حيويته، واشتد نشاطه، وكلما أظلم الشيء-أي قل ما فيه من نار- كان أقرب إلى الموت و اللاوجود.و بتعبير آخر، كل شيء يخرج من النار، وإلى النار يعود، لأن الوجود في الحقيقة، عملية مستمرة للسيرورة، وعملية التحول هاته، تأخذ اتجاهين: طريقا صاعدا، وآخر هابطا: - فالصاعد يبدأ من التراب ثم الرطوبة ثم النار،- والهابط ، من النار غلى الرطوبة، فالتراب. ويرى أن التوازن متساو تماما، وهو تحول حقيقي بين العناصر: "إن النار تحيي موت التراب، والهواء يحيي موت النار، والماء يحيي موت الهواء، والتراب يحيي موت الماء". وهكذا، تتحول كل الأشياء للنار. يقول هرقليطس : "كل الأشياء تتتابع، ولا شيء يثبت . فأنت لا تستطيع، أن تنزل مرتينفي النهر نفسه، لأن مياها جديدة، تجري حولك متتابعة"، "وأما التعارض و الشقاق، فليسا في رأيه، شرا بل هو خير. والناس لا يعرفون كيف أن التنوع ، يتفق مع نفسه" وذلك ، لأنه "من الشقاق والتعارض تتولد كل الأشياء". وفي كلمة ، هذه النار العالمية، هي عملية التغير، و هي قانون الكون، وهي الإله نفسه، فهو "نهار و ليل، شتاء و صيف ، حرب و سلام..." . هذا عن أصل الأشياء في مستواها المادي.

2- و يمكن تحويل التساؤل أيضا ، إلى مستوى تجريدي حيث نتحدث عن الحب و النفور، والجوهر الفرد، والقوة العاقلة، والعدد، و نحو ذلك. و نتطرق، في هذا الإطار إلى أربع وضعيات مشكلة حيث نتساءل: ألا يمكن رد الأصل الأول للأشياء إلى الحب والنفور، أو إلى الجوهر الفرد، أو إلى قوة عاقلة، أو إلى العدد؟

أ- ألا يمكن رد أصل الكون إلى نسبة الإمتزاج فيما بين العناصر الأربعة التي يحددها الحب والنفور؟

يرى إمبذوقليس (Empedocles ، ت.حوالي 490 ق.م) ،أن نشأة الأشياء ترتد إلى عناصر أربعة: التراب و الماء و الهواء و النار، وهي عناصر لا تنقطع فيما بينها، عن الإتصال و الإنفصال و الإختلاف، وذلك ، تبعا لتفاوت نسبة المزج فيما بينها. و محرك هاته العناصر، قوتان متضادتان هما الحب و النفور.

ب- ألا يمكن رد أصل الأشياء إلى الجوهر الفرد؟

يعتقد ديمقريطس (حوالي 460-370 ق.م) و أصحابه بأن أصل الأشياء ، هو عنصر واحد متجانس ، يدعونه الجوهر الفرد أو الذرة. ودليلهم في ذلك، أنه لو فكّكنا الأشياء إلى جزئياتها، لانتهينا إلى وحدات لا تقبل التقسيم، هي لا نهائية العدد، وتبلغ من الدقة ، حدا يتعذر معه إدراكها بالحواس، و هي خالية من الصفات. أما الصفات التي ندركها في الأشياء، فهي ناشئة عن كيفية ائتلاف الذرات في تكوينها للأجسام.

ج- ألا يمكن رد أصل الأشياء إلى العقل؟

وفي الرد على هذا السؤال، يعتقد أناكساغوراس (500ق.م-؟) أن وراء الأشياء ، قوة عاقلة مجردة ذكية و بصيرة، تدبر شؤونها، فتولد الحركة في الأشياء، إقبالا وإدبارا حتى تتكون منها العوالم. وأساس هذا الإعتقاد، انبهاره من نظام الكون و جماله و تناسقه، وكذا استنتاجه بأنه يستحيل على قوة عمياء ، أن تخرج هذا العالم في هذه الدقة والتناغم و الجمال. إلا أن العقل لم يخلق المادة من عدم، بل هما عنصران قديمان أزليان، نشأ كل منهما بذاته، ثم طرأ العقل على المادة، فبعث فيها الحركة و النظام.

د- وأخيرا، ألا يمكن رد أصل الكون إلى العدد؟

إذا كان أصل الأشياء هو الماء عند طاليس، والهواء عند أنكسمينس، فإنه عند أصحاب فيثاغوروس (ت. نحو 600 ق.م) العدد كمفهوم مجرد. فالأشياء مهما اختلفت صفاتها وأعراضها، في مستوى المشمومات و المسموعات و المرئيات و غيرها، فهي تتأسس على العدد، فكل من السوائل و الغازات و الصلبيات، لا بل كل عنصر أو نوع داخل الصنف الواحد، له عدده، وبتعبير آخر، لا يمتاز شيء عن شيء إلا بالعدد. ومن هنا ، نستخلص أن العدد هو جوهر الوجود وحقيقته، فكل ما تقع عليه عيناك، مركب من أعداد. ولما كانت الأعداد كلها متفرعة عن الواحد، لأنها مهما بلغت من الكثرة، فهي واحد متكرر، كان الواحد أصل الوجود، عنه نشأ، ومنه تكوّن. هذا عن أصل الأشياء في مستواها المجرد. وهذا كله عن النوع الأول من الوضعيات المشكلة.

ماذا..وراء الإنسان؟

ثانيا: النوع الثاني من الوضعيات المشكلة: هل هو مصدر الحقيقة؟

و يمكن اختصاره في هذه الوضعية المشكلة العامة: إذا كانت الأشياء في بعض أجزائها، تمثل الإنسان، وجب أن نتساءل ماذا وراء الإنسان، هذا الكائن الذي يعود إليه فهم الطبيعة، و ما وراءها؟ هل حواسه هي مصدر المعرفة، وهي ميزان الحقيقة؟ هل الحقيقة تابعة لحواسنا، فتختلف من هذا الشخص إلى ذاك ، أم هي ثابتة يقررها العقل؟ يمكن حل هذه القضية، في جزأين:

1- الجزء الأول: ماذا لو انطلقنا من أن حواسنا هي التي تقف وراء كل معرفة للأشياء؟ وأنها تختلف باختلاف الناس؟

يرى السفسطائيون- وكانوا جميعا من أهل البراعة و الحذق أمثال غورجياس وهيبياس وبروتاغوراس- بأنه ليست ثمة، حقيقة مطلقة بل حقائق، لأن حواسنا هي مصدر المعرفة، وميزان الحقيقة، وهي التي تحدد مدى صواب الأمر. إنها تظهر لنا العالم الحسي متغيرا ومتكثرا. يقول كبيرهم وهو بروتاغوراس : "الإنسان مقياس كل شيء"، فإذا بدا لك الشيء ناقة فهو ناقة، وإذا بدا لي نخلة فهو نخلة. ولقد ساروا على هذا المبدأ، في تعليم الطلبة البلاغة و الجدال بحيث يخدم كل واحد منهم، قضيته من أي سبيل، أي بالمنطق الذي يرى فيف المصلحة و الفائدة، بالسفسطة او بغيرها.

2- الجزء الثاني: و لكن ماذا..لو قلنا: إن الحقيقة واحدة وأنه يقرها العقل؟

يذهب سقراط ، إلى أن الحقيقة، يقرها العقل، وأن حواسنا تخدعنا، ولا تدرك الموجودات كما هي في حقيقتها، بل كما تبدو لحواسنا. وليست الحقيقة بمجرد أمر فردي، و بذلك، يثبت ما أنكره السفسطائيون، وهو أن وجود الحقائق الثابتة تتجاوز حواسنا، ومعلنا "أن كل ما أعرفه هو أنني لا أعرف شيئا". و التفلسف يبدأ عندما يبدأ الإنسان يمارس الشك و خصوصا ، الشك في الحقائق المقررة التي يؤمن بها، و يقدسها، كالمدركات المألوفة و البديهيات و المعتقدات.

و بهذه الطريقة ، رفض سقراط كل شيء في الأساطير التقليدية و المعتقدات الدينية التي لا تتفق وكون اللّه خيرا. إن الإنسان ليست لديه معرفة مؤكدة عما هو خير في الحياة. ولكي يحيا حياة فاضلة ، من الضروري أن يعرف الخر. و تبدأ هذه المعرفة بشعوره بالجهل، ذلك لأن الخطوة الأولى في التربية ، هي الشعور بالجهل الذي لاتوجد بدونه، أية رغبة في التعلم. ولهذا، كان سقراط يبدأ بإزالة العقبة الرئيسية للمعرفة، بإقناع متعلمه بجهله.

ويبقى العقل هو أداة تحصيل المعرفة دون الحواس، لأنه عامل مشترك عند جميع الناس، ولا يختلف إدراكه من شخص إلى شخص آخر. وعلى هذا الأساس، تكون الحقائق الخارجية ثابتة، لأن هؤلاء الناس جميعا، يرونها بمنظار واحد، هو العقل الذي لا يختلف إدراكه في شخص عن شخص آخر.

فإذا أردنا أن نعرف كلمة إنسان مثلا، أدخلنا في التعريف الصفات التي يشترك فيها، كل أفراد الإنسان دون الصفات العارضة الخاصة ببعض الأفراد، فلا يجوز ، أن نعرف الإنسان بأنه حيوان أسمر ، لأن هذا اللون لا يشترك فيه الأفراد جميعا، ولا أن نقول هو حيوان متكلم بالعربية، لأن هذه اللغة خاصة بطائفة معينة، و لكنا لا نخطىء ، حين ندخل في التعريف، صفة التفكير، لأنها عاملة شاملة لجميع الأفراد ، وليس للشواذ حساب في بناء القاعدة.

وعليه، فنحن نستطيع أن نصوغ للفضيلة تعريفا، يقوم على أساس إدراكنا العقلي لصفاتها المشتركة في كل الأعمال الفاضلة، و بذلك يكون لدينا معيار، نقيس بهأفعال الناس، فنميز بين خيرها و شرها، وصدفها و كذبها، وبتعبير أوضح ، إن الإدراكات العقلية- أي الأحكام الكلية- هي وحدها المعرفة، وهي ليست من عمل الحواس، ولكنها من صنع العقل ، ولما كان العقل عنصرا مشتركا عند الاشخاص، أمكن أن يكون مقياسا لا تختلف نتائجهبختلاف الظروف ، سواء تعلق الأمر بالجدل أو بالأخلاق. و لايجوز للسفسطائي بعدئذ، أن يجاهر برايه بأن ما أراه حقا هو حق لي، وما يطيب لي عمله، هو فضيلة بالنسبة لي. 

 

العالم الذي تستقر فيه الحقيقة المطلقة

النوع الثالث من الوضعيات المشكلة:

أمامنا وضعية مشكلة تتعلق بنظرية المعرفة، و البحث عن موقع الحقيقة المطلقة، و يمكن صياغتها كما يأتي:

هل ما نشاهده من أشياء أمامنا، هو فعلا الحقيقة، أم الحقيقة هي فيما وراء هذه الأشياء؟ أليس وراء هذا العالم الذي نشاهده، عالم آخر؟ ألا يتحدثون عن الطبيعة وما بعد الطبيعة؟ كيف إذن، نرقى إلى هذا التصور، وماذا لو طرحنا القضية هاته، للبحث والتحليل؟ و لحل هذه الوضعية المشكلة، نقدم تساؤلا حول مظهر الشيء و حقيقته، وتساؤلا آخر حول مغزى أسطورة الكهف.

1- مظهر الشيء و حقيقته: بين الجميل و الجمال:

أ-عرض: فنحن عندما نرى الأشياء الجميلة من مناظر الطبيعة أو سلوكات الناس وأبدانهم، فهل نحن نرى الجمال؟ بحيث نقول، هذا منظر جميل، وسلوك جميل، وبدن جميل: ألا نرقى بالفطرة المهذبة، إلى التمييز بين الجميل و الجمال، وكذا الشأن بين الخيّر و الخير و السعيدة و السعادة؟

ب- تحليل: لا بد من التمييز في بداية هذا التحليل، بين الشيء الجميل و الجمال، بين المحسوس و المعقول ، بين التحت و الفوق. فنحن لا نقول عن الكلام الجميل، بأنه جمال، و لا نقول عن الجمال، بأنه شيء يخضع للتغير والنسبية. فهناك المتغير، وهناك الثابت. فالاشياء الجميلة تفنى، أما مثال الجمال فلا. و الفيلسوف هو الذي يوفق في الإنتقال من الشيء إلى أصله، ومن المحسوس إلى المعقول.

2- مغزى أسطورة الكهف

ويجسد أفلاطون: أساس رأيه ، في أسطورة الكهف التي نلخصها فيما يلي:

أ- عرض: لنتصور أناسا يعيشون داخل الكهف في باطن الأرض، وهم مقيّدون منذ طفولتهم، بالسلاسل في أقدامهم، وأعناقهم، بحيث تستعصي الحركة عليهم. و لهذا الكهف، باب يتجه نحو الضوء ، فينير أرجاءه. وهو لا يتمكنون من النظر إلى ما يمر أمامهم ، لأن ظهورهم تقابل الباب. و هناك نار ملتهبة من أعلى خلف رؤوسهم، و على بعد منهم، بحيث تمر أشعتها من فوق رؤوسهم، وتقع على الحائط في باطن الكهف حيث ينظرون. و يوجد بينهم و بين تلك النار، طريق يمتد فيه ، جدار غير مرتفع أشبه بالستارة التي يلعب من ورائها الممثل بالدمى أو "القراقوز". و يوجد خلف ذلك الجدار، قوم آخرون يحملون جميع أصناف الأشياء، والتماثيل المصنوعة من الخشب والحجر، وتبرزهذه الأشياء كلها، فوق الجدار، فتلقى النار بظلالها على الحائط. ولما كان هؤلاء المساجين عاجزين عن التلفت إلى الخلف، فإنهم لم يشهدوا طول حياتهم، غير تلك الظلال التي يعتقدون أنها الحقائق. فلو فرضنا أن شخصا من هؤلاء المساجين ، فكت أغلاله و اضطر إلى الوقوف على قدميه، والتفت نحو مصدر النور، فلن يقوى على رؤية الأشياء الحقيقية التي اعتاد رؤية ظلالها، بسبب شدة البريق الذي يخطف الأبصار. ثم جاء أحد، وأخبره أن ماكان يراه من قبل، هو مجرد أوهام وأشباح ، وأن ما يراه الآن، هو الحقائق ، فلن يصدقه، بل يعتقد أن الظلال التي كان يراها، أكثر حقيقة مما يراه الآن، فيعود إلى موقعه الأول داخل الكهف. ولو فرضنا أنه بعد الترويض ، يصل إلى توجيه عينيه نحو النور، ويقتنع بأن ماكان يعتقده أول مرة، كان عبارة عن أشباح، وأن الحقيقة هي مشاهدة النور خارج الكهف، وافترضنا أنه يعود من جديد إلى أهل الكهف ، ليطلعهم على الأمر، لسخروا منه.

ب- تحليل: فالكهف في الأسطورة ، بشير إلى العالم المحسوس، و يشير ضوء النار إلى الشمس، والصعود إلى صعود النفس إلى العالم المعقول حيث يكون مثال الخير، وهو آخر ما يرى. والهدف من هذا التحول، هو التخلص من أوهام الظلال في العالم المحسوس، والترقي إلى حقائق العالم المعقول. وباختصار، إن الفكرة الأساسية التي يقوم عليها مغزى هذه الأسطورة ، هي التمييز بين عالمين: العالم المرئي أو الحسي، و العالم غير المرئي، أي العقلي، وهو عالم المثل.

فالعالم الحسي هو العالم الوحيد الذي تعرفه حواسنا، و يطمئن إليه الغافلون. إنه عالم ظواهر الطبيعة والبدن، عالم التغير و التناقضات. ووراء هذا العالم ، عالم آخر، لا تدركه عيون البدن، ولا باقي الحواس، وتدركه الروح أو النفس، ففيه يستقر الجمال المطلق، والحقيقة الكاملة، و الدائرة الكاملة ، والكرة الكاملة. فكل هذه الكائنات لا تدرك إلا من طرف العقل، و تشكل العالم العقلي. وهذا العالم هو الواقع الحقيقي، لأنه أزلي و ثابت على الدوام، يعيش في مأمن من التغير. وهو الذي يخلع على العالم الحسي قليلا من الوجود الذي تمتلكه الحواس، و قليلا من الثبات. إذا كانت الاشياء من نفس الجنس تتشابه عند تقاربها، فلأنها نسخ متعددة من نفس النموذج، أي من نفس المثال. فكل الأفراد البشرية مثلا ، هي صور لنموذج ثابت هو الإنسان- الجوهر، أي مثال الإنسان.

و نحن في عالمنا الذي نعيش فيه، نشبه السجناء الذين بحكم انغلاقهم و تقييدهم منذ الولادة داخل الكهف، لم يعرفوا سوى الظلال المسقطة على جدار سجنهم. ومن الصعب الإقلاع عن هذه الصور ، لأن القطيعة المباغتة تضر ولا تنفع، إن لم تأخذ بمنطق التهذيب و التدرج. وهذا العالم العلوي يتألف من عدة مثل. وهي تشكل سلما، في قمته نجد مثال الخير وهو المثال الأعلى و هو الذي تقابله النار المرئية. وتحته يأتي الجمال المطلق و الحقيقة المطلقة، وتحتهما هناك كائنات هندسية، مثل الدائرة و المثلث و الكرة التي لا نرى منها، في عالمنا السفلي، سوى مجرد نسخة عن المثال الأصل.

و على ضوء هذا التصور للعالمين، يمكن فهم أجزاء أخرى من نسق أفلاطون، منها:

* الطريقة الجدلية، وهي تكمن بالنسبة إلى الفكر، في التقابل بين عالم الظلام و عالم النور، عالم الجهل وعالم العلم، بين الفناء و الخلود ، التغيير و الثبات، الحواس و العقل ، وتكمن أيضا، في الإرتقاء من العالم الحسي نحو العالم الحقيقي، ارتقاء تدريجيا، يبدأ بالترفع من مجرد المظاهر إلى الأشياء، ومن الأشياء إلى المعاني المجردة مثل المعاني الهندسية، وأخيرا ومن ثمة، الوصول إلى المثل الحقيقية التي هي كائنات حقيقية موجودة خارج عقولنا، في عالم غير مرئي.

* نظرية التذكر: يرى أفلاطون بأننا قبل حلولنا في أجسامنا الحالية، كنا نعيش في عالم المثل حيث شاهدنا وجها لوجه، المثل في محض صفائها. وعند ولادتنا في هذه الدنيا، حملنا معنا، ذكريات فقدت الكثير من وضوحها بملامسة العالم المرئي. وبحكم فعل الذكاء، و انطلاقا من معطيات حسية، اكتشفنا بعض المثل، وذلك عن طريق التذكر أو الإسترجاع. أما كيف تمكن بعضنا من الإرتقاء إلى بعض المثل كمثال العدالة مثلا، و حواسهم لم تشاهد عدالة كاملة و لا مثالية، فلأنهم كانوا عند الولادة ، أكثر إلهاما من غيرهم.

يعتقد أفلاطون أن نفس الإنسان قبل ولادته، كانت مجردة عن الأجساد، وكانت تعيش في عالم المثل تتأمل و تفكر، فلما حلت بالجسد-بالولادة- و انغمست في عالم الحس نسيت عالم المثل، فإذا وقع النظر على شيء جميل، تذكرت مثال الجمال الذي كانت تعيش فيه و في أمثاله لأن هذا الجميل صورة من ذلك المثال.

و النفس إذا عرف كيف يروّضها صاحبها على تذكر كل المثل، عادت عند موت الجسد، إلى عالم المثل راضية سعيدة، واستقرت فيه. وبعد مدة، تعود هذه النفس فتحل في إنسان آخر. أما الذين ساءت أعمالهم في الحياة الدنيا ، فتعذب نفوسهم بعد الموت، ثم يحلون في أجسام أحط منهم. فالرجل قد يحل في جسم امرأة و إذا عاش الرجل شهوانيا حل في جسم حيوان، وهكذا.

*نظرية خلود النفس: إن التغير و الموت جزء لا يتجزأ، لأن كليهما ظاهرة تابعة لعالم الطبيعة، وهو عالم معرض للزوال، أما النفس التي تتعلق بالعالم الآخر غير الملائي، فإنها تخلد ولا تفنى، لأن العالم الذي هبطت منه، عالم لا يخضع لما تخضع له ظواهر الطبيعة من تحول.

*الأخلاق: و على ضوء مغزى الأسطورة، فإن أساس فلسفة الأخلاق-عند أفلاطون- تبدأ بالتجرد من العالم الحسي و الخبرات الخارجية، للتوجه نحو مشاهدة المثل، وخاصة مثال الخير، والإنتهاء بالإجتهاد لتحقيق مثال الكمال ذاك، وهو الخير. وتحت هذه الفضيلة التي هي إلهية تقريبا، هناك فضيلة خاصة بالإنسان، وهي العدالة. وهي تكمن في الإنسجام الداخلي للنفس بين العقل (الحكمة) و القلب (الشجاعة) والغرائز (التواضع).

هذا، وتوضيحا لفلسفة أفلاطون أكثر، نقول: إن ما ندركه بأعيننا و بالحواس الأخرى، ليس من الحقيقة في شيء، ولكنه مظهر فقط ، أو شبح لاصل آخر. والحقيقة ليست على الإطلاق، إدراك المحسوسات، لأن هذه المحسوسات ظلال وأشباح للمثل. والمثل هي وحدها، الحقيقة المطلقة، والعلة الحقيقية في وجود الأشياء. وما الفلسفة سوى رؤية الحقيقة.

وعليه فعين الفيلسوف- كما جاء في "الجمهورية"- تتجه "على الدوام نحو الأمور الثابتة التي لا تتغير، لأن العين كما يقول، آلة البصر، والعينترى المحسوسات الكثيرة ، فهي موضوعات للبصر، أما المثل التي ندركها ، فهي موضوعات العقل. ولكن كما أن البصر يحتاج إلى ضوء كي ينير المحسوسات فيراها المرء، فكذلك الحقائق تحتاج إلى ضوء ينيرها حتى يبصرها العقل، وهذا الضوء هو  "مثال الخير". وأكثر من ذلك ، فكما أن الشمس هي علة النمو، و التغذي في الكائنات الحية، و ليست هي النمو، كذلك الخير هو علة المعرفة و ليس هو المعرفة.

أما النور الذي يهدي النفس، فهو "الخير"، و قد شبهه بضوء الشمس تارة، وهو "اللّه" تارة أخرى، وقد رادفه لمثال الخير. والفيلسوف هو المتشبه بالإله، و المنسحب من الأرض المملوءة بالشر، إلى عالم السماء. فلا حياة له على ظهر هذه الأرض، وما في مدنها من مظالم، وشرور. وما يراه من حقائق، لا يلتقط من أفواه المعلمين، بل يجب أن تكون كشفا شخصيا، ومعرفة بالنفس. وأكثر من ذلك، فإن من بلغ مرتبة هذا الكشف، لن يقوى على التعبير عن الحقائق التي أبصر بها. ولا غرابة في أن يقول سقراط في "فيدون" إن الفيلسوف الحق هو الذي يطلب الموت و يتعلمه، أي يبحث عن السبيل الذي يؤدي إلى فصل النفس عن البدن. ذلك أن البدن و ما له من مطالب وما يخضع له من رغبات وأمراض و مخاوف، يعوقنا عن طلب الحقيقة الخالصة في نقائها و صفائها. فإذا لم يتيسر لنا البلوغ الحق ذاته، و نحن على قيد الحياة ، فلنقترب منه أشد الإقتراب بما نزاوله من تأديب النفس حتى نتخلص من علائق البدن. ومن أجل ذلك، ألف أفلاطون "الجمهورية" أو المدينة الفاضلة "لتكون موئلا للفلاسفة."

ج- استنتاج: نستخلص مما سبق من تأمل موقع الحقيقة المطلقة ، النقاط الثلاث التالية:

- يرى أفلاطون أن هناك عالمين : عالم المثل و هو عالم الحقيقة لا حدود له في الزمان و المكان وهو الأساس، و عالم الطبيعة وهو عالمنا هذا، وهو عالم الظواهر المحدود بالزمان و المكان.

-وأنه من أهم صفات المثل، أنها:

  1. أساس الأشياء وجوهرها، ولاشيء، أساس لها،
  2. عامة لا خاصة، وكل مثال وحدة لا تتعدد، إنما الذي يتعدد أفرادها،
  3. مجردة و مطلقة، في إمكان العقل إدراكها،
  4. أبدية لا تفنى،
  5. لا يحددها زمان، ولا مكان.

- ولدخول عالم المثل، يجب أن نعرف، كيف نتحرر من سلطان الأشباح و الحقائق المزيفة، وقيود التقاليد و المعتقدات المعيقة، لازدهار حرية الفكر، وأن نتعلم كيف نموت، أي كيف نميت في نفوسنا غرائز الحياة المادية الدنيوية.

 

علل الأشياء و الحكمة منها

النوع الرابع من الوضعيات المشكلة:

1- لحل هذه الوضعية المشكلة ، نتناول مع أرسطو الرد على التساؤلات الثلاثة الآتية، ثم نعقب عليها:

أ) أليس وراء الأشياء علل وأسباب؟ فعندما نرى الماء يتجمد، ألا نفكر في البرودة، كعلة لتجمده؟

ب) أليس وراء الأسباب نفسها، عناية أو خطة تحدد أشكال الأشياء و مصائرها؟ فإذا قلنا إن علة التجمد هي البرودة، وأن سبب موت فلان سكتة قلبية، فهل نكون قد عرفنا الحكمة من ذلك ، ومن ثمة سبب الأسباب؟

ج) ألا يدعو تأمل الاشياء لمشاهدة النتائج، قبل مشاهدة المقدمات ، بقدر ما يدعو إلى عكسها؟

التساؤل الأول (أ): أليس وراء الأشياء علل وأسباب؟ فعندما نرى الماء يتجمد ألا نفكر في البرودة ، كعلة لذلك؟

إن الطريق الطبيعي الذي يسلكه العقل في التفكير، هو الإنتقال من الاشياء الجزئبة إلى عللها، ثم إلى علة هذه العلل جميعا. إلا أن البحث عن علة العلل، تبقى حكرا على الفلاسفة. أما مجرد الوقوف على علل الأشياء، فهو معروف لدى كثير من الناس، وأغلبهم يقصدون بهذه العلة السبب الميكانيكي أو السبب القريب الذي نشأ عنه الشيء. فإذا رأينا الماء قد تثلج في البئر، وقلنا ما علة تثلجه؟ فإذا نحن أرجعنا ذلك إلى البرودة ، لم نكن قد بيّنا حكمة حصوله. وكذا، إذا قلنا ما علة موت فلان؟ فإذا قلنا مرضه أو غرقه في النهر، نكون قد بيّنا السبب في موته، و لكننا لم نبين الحكمة التي من أجلها، حدثت الموت. فبيان العلة إذن ، لا يستلزم بالضرورة، بيان الحكمة. ولإدراك هذه الحكمة، يصنف أرسطو العلل إلى أربع بأعتبارها، عواملا أو شروطا، لا ينفك أدق الأشياء عنها:

- المادة أو ما منه الشيء، أي المادة التي يتكون منها الشيء كالخشب للكرسي،

- الصورة أو ماهية الشيء ، وهي ما يجعل الشيء شيئا، أي ما يجعل الخشب كرسيا،

- الفاعل أو مبدأ الحركة و السكون أو ما به يصير الشيء ما هو، أي صانع الكرسي (القوة التي عملت على تغيير الشيء)،

- الغاية أو ما من أجله الشيء، أي الغرض أو مشروع إنجازالشيء، الكرسي نفسه، كمخطط.

و يختصرها أرسطو في مبدأين: المادة والصورة، فالعلل الثلاث الأخيرة هي "الصورة"، و الأولى هي "الهيولى أو المادة".

فالهيولى في ذاتها ن لا صورة لها و لا مظهر، ولا تحد ولا توصف. وهي صالحة لأن تكون أي شيء، أي هي شيء بالقوة، ولكنها بالفعل، شيء معين، والذي منحها هذا التعيين هو الصورة. و الصورة تسيرها غاية، وتجذبها إليها، كما يجذب المغناطيس الحديد. والغاية في الحقيقة من حيث الزمن، سابقة في الفكر، للوجود، ولكن، إذا تعلق الامر بالوجود الخارجي، ظهر الشيء أولا، وحصلت الغاية ثانيا . فالجلوس على الكرسي مثلا، غاية سبقت في الذهن صناعة الكرسي، ولكن في الخارج صناعة الكرسي أولا، والجلوس عليه ، ثانيا. فالذي حرّك الخشب إلى كرسي هو الغاية.

 التساؤل الأول (ب): ألسي وراء الاسباب نفسها ، عناية أو خطة تحدد أشكال الاشياء و مصائرها؟ فإذا قلنا إن علة التجمد هي البرودة، وأن سبب موت فلان سكتة قلبية، فهل نكون قد عرفنا الحكمة من ذلك ، ومن ثمة سبب الأسباب؟

- يعتقد أرسطو أن كل شيء في العالم يحركه باعث داخلي، ليصبح شيئا أكبر مما كان عليه. فإن الراشد مثلا، هي الصورة التي كان الصبي مادة لها. والصبي هو الصورة التي كان الجنين مادة لها. والجنين هو الصورة التي كانت البويضة مادة لها. وهكذا، نعود إلى الخلف، إلى أن نصل بطريقة خيالية، إلى تصور المادة بغير صورة إطلاقا، وهذا ما يسميه أرسطو، بالهيولى. ولكن هذه المادة بغير صورة، سوف لا تكون شيئا لأن كل شيء صورة. والمادة بمعناها الأوسع، هي إمكانية الصورة ، والصورة هي الحقيقة التامة للمادة. بيد أن الصورة بمفهومها التام، ليست الشكل فقط، ولكنها القوة الإجمالية المشكلة. وهي ضرورة داخلية، و باعث يعجن المادة المجردة، إلى شكل و غرض خاص. إنها القوى الكامنة في أي شيء، ليعمل و يكون و يصبح. وهذا يعني، كاستنتاج، أن الأشياء هي غزو الصورة للمادة، والتدرج وهي التقدم الدائم و انتصار الحياة.

 -و يعتقد  أن التطور في عالم الأشياء ، لا يقع صدفة ، لأن وراء كل شيء- ومن داخله- خطة تعيّن طبيعته ومصيره إن بذرة الزيتون- عندما تثمر شجرتها- لا تعطينا تينا ولا تمرا، وإنما زيتونا إن هذه الخطة بالنسبة إلى أرسطو ، هي عامل داخلي، و ينشأ من نوع الشيء وطبيعته ويعتقد ان العناية الإلهية، تنسجم تماما، مع عملية الأسباب الطبيعية. و لكن كيف تبدأ الحركة ، مع العلم بأن فلسفته ترفض أن تكون الحركة بلا بداية؟ فالأمر البديهي لديه هو أن تكون المادة -أي الهيولى- أبدية لأنها الإمكانية المستمرة الدائمة لصور المستقبل. و لكن متى ، وكيف بدأت عمليتا الحركة و التشكيل اللتان ملأتا هذا الكون الواسع بأشكال لا نهاية لها؟ يقول : لا بد من أن يكون للحركة مصدر، إذا أردنا تجنب التسلسل اللانهائي. و مصدر الحركة هو اللّه، هذا المحرك الذي لا يتحرك. ويرى أن اللّه كائن تام و أبدي و معنوي لا مادي، غير مرئي و لا مكان له، لا مذكر و لا مؤنث و لا يتغير و لا يتأثر. إنه في رايه، لا يخلق العالم بل يحركه، ولا يحرك العالم كقوة ميكانيكية ، و لكن كمحرك  كلي لجميع عميات العالم. إنه السبب النهائي للطبيعة، و القوة الدافعة للأشياء، و هدفها، و صورة الأشياء و مبدأ حياتها. وبواسطة هذه الغاية وحدها، يمكن فهم العالم.

التساؤل الأول (ج): ألا يدعو تأمل الاشياء لمشاهدة النتائج، قبل مشاهدة المقدمات، بقدر ما يدعو إلى عكسها؟

إن الإنسان العادي يرى أنه متى كان اللّه هو المحرك للعالم، وجب أن يكون اللّه أولا، و بعد سنين أو قرون، يكون هو المقرّر لإبراز العالم إلى الحياة ، فيحركه، وكأنه يرى أن علاقة اللّه بالعالم علاقة زمن، فهو أول و العالم ثان، و علاقة العالم باللّه علاقة علة بمعلول أو مؤثر بأثر، ولكن أرسطو، يعتقد أن هذه الزمنية عرضية، لا حقيقة لها ، وأن العلاقة ليست زمنية و لا علاقة ميكانيكية، إنما هي علاقة منطقية، وعلاقة مقدمة بنتيجة: فاللّه مقدمة منطقية،و العالم نتيجة. واللّه منح العالم وجوده، كما تمنح المقدمة النتيجة وجودها. فالنتيجة في القضية المنطقية، تتبع المقدمة أي المقدمة تذكر أولا، والنتيجة ثانيا، ولكن جاءت أولا، في الفكر لا في الزمن. وعليه، فالتقدم و التأخر في المقدمة و النتيجة شأن فكري لا زمني، و كذلك واجب الوجود أو مفيض الوجود على العالم، هو أول في الفكرن لا في الزمن.

يقول: إن العالم هو سلسلة ترق للمادة، من صورة إلى صورة أرقى منها، فهو درجات، بعضها فوق بعض، فما كان من الأشياء ف منزلة عالية، يكون قد غلبت صورته مادته، وما كان منها في درجة سافلة، يكون قد غلبت مادته صورته، حتى إذا وصلنا إلى الحضيض، وصلنا إلى مادة لا صورة لها، وإذا وصلنا إلى الذروة العليا، وجدنا صورة لا مادة لها، وهما نهايتان ليستا إلا معان مجردة لا وجود لها في الخارج.

و هذه الصورة المجردة ، يسميها "اللّه" ، وهو الموجود الأتم صورة، وكلما قارب الشيء من كمال الصورة، كان أقرب إلى الحقيقة. أما الهيولى أو العالم، فلا أول له في الزمن، وإنما سبقه اللّه، كما تسبق المقدمة النتيجةن فهو يجذبه إلى غايته. كذلك لا نهاية للعالم، إذ لو كان له نهاية، لكانت نهايته، مجردة ، وهي لا وجود لها في الخارج.

2- تعقيب

 إن هذا العالم في سيره، من الهيولى إلى الصورة، يتحرك نحو غاية، وكل شيء فيه له غاية وله وظيفة يؤديها، ولا شيء في الوجود، يتحرك لا إلى غاية : فحركات العالم ليست حركات آلية منزوعة القصد و متروكة للعفوية، كل الأشياء مسخرة لهدف ترعاه عناية إلهية. ولكن مه هذا كله، فإن لجميع الأشياء مهما انحط موقعها في هذا العالم، وجودا ذاتيا، وغاية ذاتية، وهي موجودة لنفسها، لا لغيرها. والموجود الذي يعي غايته في عالم الأشياء، هو الإنسان وحده.

يعني هذا أن في حركة النشوء و الإرتقاء، تجذب "الصوورة" إلى الرقي دائما، والهيولى تعوقه و تؤخره، وهي حركة تقوم على جهد الصورة لمنح الهيولى صورة. ولما كان للهيولى قوة المقاومة، لم تنجح الصورة دائما، بل تفشل أحيانا، وهذا هو السبب في أن الصورة، لا توجد من غير هيولى، لأنها لا تستطيع أت تتغلب على مقاومة الهيولى، وهذا هو السبب أيضا، في وجود فلتات الطبيعة، وغرائب الخلقة، كالإجهاض مثلا، و الولادة غير الطبيعية.

إن هناك عالما حقيقيا واحدا، هو عالمنا الذي نعيش فيه. إنه غير كامل، وإن كان في صورته الحاضرةعلى أتم ما يمكن أن يكون الآن، وهو أبدا،في تطور صعودي نحو الكمال. وهو بمادته قديم، موجود منذ الأزل، لم يكن ثمة، زمن سابق له، ذلك لأننا لا نستطيع أن نبحث في هذا العالم، إلا إذا افترضنا، أن "المادة" كانت موجودة، منذ الأزل. وأن هناك في المادة نفسها، "إمكانا" للتطور بالإنتقال من صورة إلى صورة أرقى. يقول أرسطو: "إن كل خروج من القوة إلى الفعل، محتاج إلى محرك بالفعل"، فإذا كان لكل جسم بمفرده محرك، وجب أن يكون لهذا العالم بجملته، محرك أيضا. ولكن المحركين يختلفان: فحركة كل جسم منبعثة منه نفسه، فهي إذن، قاصرة عليه، دون غيره. أما المحرك الذي يحرك العالم كله، فيجب أن يكون محركا محضا، وفعلا مطلقا كله، لأنه لو كان متصلا بمادة، لكان محركا بالقوة ، ولكان بالتالي ناقصا. ولكن، بما أن هذا المحرك مفارق للمادة ، فهو صورة مطلقة، و بما أنه صورة مطلقة بريئة من المادة، فهو إذن ، بريء من التكثر والتنوع. وهو يحرك العالم بعقله من غير أن يتحرك هو، أو يجهد. إنه لا يتحرك، إذ ليس له خارج ذاته غاية يتحرك إليها، بل هو الغاية- القصوى المطلقة- التي يتشوق كل شيء إليها، و يتحرك نحوها، وهو ينجذب إلى الكمال، كما يتعلق كل عاشق بمعشوقه، ويسعى إلى الوصول إليه.

هكذا إذن، أصبحت أصول الأشياء في الفكر الفلسفي الأرسطي الراقي، عللا كامنة في الأشياء بعدما كانت أسبابا خارقة فوقها أو صورا مثالية قبلها. 

كيف...نعيش مع الأشياء

بعد أن يصل الفكر إلى الأوجه، ما عسى الإنسان أن يصنع به؟ إذا أردنا استثمار هذه المحاولات كلها، في حياتنا العملية، كيف لنا أن نتصرف، أو ما عسانا أن نرى؟

يتضمن الجواب عن هذه الوضعية المشكلة العامة، جزأين:

أولا: الجزء الأول من الوضعية المشكلة العامة

إذا كان الإنسان يحركه عقل مدبر هو اللّه، في عالم يخضع لنظامه، فهل يستطيع الإنسان أن يكون حرا طليقا، يصنع ما يشاء؟ فأين يكمن فضله، بالقياس إلى الأشياء؟

 ينطلق الرواقيون مع زينون  (335-264 ق.م) -أمام هذه الوضعية المشكلة- من هذا المبدأ الذي يتحكم في أشياء العالم الخارجي، وهو أن اللّه هو العقل المطلق، وإذا كان عاقلا، فالعالم مسيّر بالعقل و الحكمة، ويتفرع هذا المبدأ إلى قضيتين منطقيتين:

1- إن العالم سائر إلى غاية، وهو في سيره نحوها، لا ينحرف عن قوانين النظام و الجمال والثبات،

2- وأن العالم خاضع لقوانين ثابتة ، يسيّره حتما، قانون العلة و المعلول، والإنسان فيه، منزوع الحرية، لأنه لا يمكن أن يكون حر الإرادة في عالم مجبر.

وفي مجال الأخلاق، يعتقدون أن الحكمة تدعو الإنسان إلى "العيش على وفاق مع الطبيعة"، لأن طبيعة الحياة الذهنية لديه، هي طبيعة عاقلة. و تكمن الفضيلة في السير حسب العقل، وهذا يقتضي محاربة الشهوات أو التشدد في مراقبتها، ومن هنا، يتعين التوجه إلى حياة التقشف والزهد. ومن الحوافز التي تبرر هذا النوع من الممارسات، أنه لا خير في الوجود إلا الفضيلة، ولا شر إلا الرذيلة، وما عداهما فشيء تافه، لا قيمة له، فالفقر، والمرض، والألم، والموت، ليست شرورا، والغنى، والصحة، واللذة، والحياة ، ليست طيبات. والسعادة، إنما هي في الفضيلة، و الفضيلة مؤسسة على شيئين: العقل و المعرفة، وهما أصل الحكمة. والإنسان يجب أن يكون فاضلا، لا للذة، ولكن لأنه الواجب. وليس هناك درجات للفضائل، ولا للرذائل، فكل الفضائل خير، و متساوية في الخير، وكذلك الرذائل.

وفي مجال المعاملات، لم ير الرواقيون مبررا، للتفريق بين بني الإنسان في المعاملة، ماداموا ينتمون جميعا، إلى أصل واحد، ويسيرون إلى غاية واحدة، و يخضعون لقانون واحد، وهم أعضاء جسم واحد، فيجب بالضرورة، أن نعامل كل إنسان كائنا من كان، معاملة حسنة طيبة، لا نستثني من ذلك، العبيد، فهم كذلك جديرون منا، بالإحسان و العناية و التقدير.

وهكذا، عرف الرواقيون كيف يستثمرون العبقرية الفلسفية اليونانية في مجال الأخلاق و الحياة مع الناس، ويكفيهم فضلا، أنهم رقّوا الشعور بالواجب، ودعوا إلى سمو النفس فوق سفالة الحياة.

ثانيا: الجزء الثاني من الوضعية المشكلة العامة

و إذا كان الإنسان جزءا من الطبيعة، يشعر بهيبتها، و بهيبة مدبّرها -وهو نوع من الخوف- فكيف يبني سعادته، و يؤسس سكينته؟

أمام هذا الوضع المشكل، فكر أبيقور : (270-341 قبل الميلاد)، في طريقة عملية تحقق له أرقى الفضائل، وهي السعادة. و الغرض منها، إزالة المخاوف الخرافية التي تلاحق الإنسان، و تعكر سكينته وتنال من طمأنينته. وسبب هذه المخاوف، سلطان الذهنيات التي تسود حياته: عند ذكر قهر الآلهة، وما تعد به من عقاب، وذكر الموت. يقول أبيقور: إن الخوف من الآلهة، ومن العقاب على أعمالنا ، ومن الموت، مما بعدها، لينتابنا في كل حين ، ويملأ صدورنا.وهذا الخوف أكبر منغص لحياتنا، ومتلف لسعادتنا، فإذا ذهب الخوف، اتضحت السبل نحو الحياة الجميلة و الهادئة، ولا وسيلة إلى إزالة هذا الخوف، إلا بدراسة الطبيعة، وفهمها، والأخذ بما أبدعته العبقرية اليونانية من تصورات، ومن ذلك ، أن هذا العالم آلة ميكانيكية، محكوم بأسباب طبيعية، وليس فيه، كائنات فوق الطبيعة. والمرء في هذا العالم يتمتع بحريته في التفتيش عن سعادته، أينما كانت، وكيفما يريد. ووظيفة الفلسفة أن تعينه على التمتع بها. فلا محل للتدخل الإلهي في الظواهر الفيزيائية. فإذا كانت الآلهة موجودة من غير شك، فإنه لا يعنيها على الإطلاق، الانشغال بالعالم ولا بالناس. فلا يجب أن نخشاها، ولا نتضرع إليها، ولا نعبدها، لأنها تتجاهل أشياء العالم ن ولا تستطيع التدخل.

إن الاساس الأخلاقي الذي ينطلق منه الحكيم الأبيقوري والذي يعينه على اغتنام الحياة، هو اللذة، فهي وحدها غاية الإنسان، وهي وحدها الخير. والألم وحده، هو الشر الذي يجب أن نفر منه، و لكن ليس كل لذة خيرا، وليس كل ألم شرا، ويبقى علينا نحن، شأن تقدير قيمتهما. فالحدود بين اللذة والألم متداخلة ، وكلما امتد أحدهما واتسع، تقلص الآخر و انكمش: إن العطشان مثلا ، عندما يتناول الماء، فهو يقصد إشفاء الغليل ، فينشرح، و يرتفع كل ألم و قلق. وهذا ما يسميه أبيقور باللذة المستقرة. ولكنه، لو واصل الشرب، فإن اللذة تأخذ في النقصان، في الوقت الذي يأخذ فيه الألم في الزيادة غلى حد الإنزعاج المؤلم. واللذة بمعناها الأوسع، لم يقصرها أبيقور، على اللذة الجسمية، بل تشمل أيضا، وبوجود أخص، اللذة العقلية، لأنها أكبر قيمة من اللذة الجسمية، ولأن الجسم لا يحس إلا باللذة الحاضرة، في حين أن العقل في مقدرته أن يتلذذ باسترجاع لذة ماضية، وبأمل الحصول على لذة مستقبلية. وخير لذة يتطلبها الإنسان، هدوء البال، وطمأنينة النفس. ومن أهم اللذائذ العقلية المفضلة، لذة الصداقة. وأبرز حكمة تلخص الفلسفة الأبيقورية، هي أن الفرار من الألم خير من السعي إلى تحصيل اللذة. ومن وسائل تجسيد هذه الحكمة، ضبط النفس والإعتدال في استعمال اللذائذ، والتمييز الحكيم بين القيم.

حل المشكلة

خاتمة:

هكذا إذن، لم يكتف الفكر اليوناني في تفسيره للأشياء بالإنتقال من مرحلة لاهوتية، إلى مرحلة العقل الفلسفي، بل تحوّل أيضا، من هذا التفسير للأشياء إلى حكمة التعامل معها، حيث يمارس الإستقامة و السعادة. لقد كان اليونانيون يعتقدون في أول أمرهم، ومدة قرون، أن العالم تحكمه قوى خارقة مستقلة عنه، وما أن تحررت عقولهم من سلطة هذه الذهنية السحرية، حتى فتحوا أبواب التفلسف الراقي، وهو الأمر الذي مكنهم من الـامل في الأشياء - في ظاهرها و باطنها- وما تكتنفه من حقائق في ذاتها. وما أدرك هذا التفلسف أوجّه، حتى كان بعضهم-من اليونانيين ومن غيرهم- قد اتخذ منه، النور الذي يهتدي وبه ينظم حياته. و بهذا، يكون النظر الفلسفي، قد ساعده على التعايش مع مختلف الأشياء في أحضان عالم منسجم و جميل.